الصين واوروبا وبينهما الحزام والطريق: قراءة فى زيارة الرئيس الصينى (مارس 2019)

125

 

كتبت: حنان فتحي
رئيسة وحدة الدراسات الاقتصادية بمركز الحوار للدراسات السياسية والاعلامية
فى خضم ما يشهده عالم اليوم من تحولات عديدة فى مسار العلاقات الدولية، إذ تتباين التحالفات وتتغير الارتباطات بشأن العديد من القضايا المطروحة على الساحة الدولية،

 

ولعل من أبرز تلك القضايا المبادرة الصينية التى اطلقها الرئيس “شى جين بينج” عام 2013 والمعروفة اختصارا الحزام والطريق، والتى تمثل محورا رئيسيا فى تحرك الصين دوليا واقليميا. واليوم بعد مرور ما يزيد على خمس سنوات من عمر اطلاق هذه المبادرة، تأتى زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى ثلاث دول أوروبية وهم (ايطاليا وموناكو وفرنسا) خلال الفترة (21-26 مارس 2019)، الامر الذى يلقى بكثير من الظلال على مسار العلاقات الصينية الاوروبية والذى يشهد تطورا ايجابيا فى ظل ما يحمله الجانبان من رؤى متبادلة بشأن تقاربهما عبرت عنها ما اصدره كل طرف من وثيقة استراتيجية تجاه الطرف الآخر، حيث شهد عام 2018 اطلاق وثيقتين: الأولى فى 12 مارس 2018، فقد اصدرت المفوضية الأوروبية وثيقة استراتيجية “الاتحاد الاوروبي ـ الصين: النظرة الاستراتيجية”، طرحت آراء ملموسة حول تعزيز التعاون الصيني – الأوروبي. الثانية، في 18 ديسمبر 2018، حينما أصدرت الحكومة الصينية الوثيقة الثالثة للسياسة الصينية تجاه الاتحاد الأوروبي، والتي تعبر عن الرؤية الصينية للتعاون مع الاتحاد الاوروبى.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة زيارة الرئيس الصينى إلى بعض الدول الاوروبية على وجه التحديد وفى هذا التوقيت تحديدا من جانبين: الجانب الاول، تأتى هذه الزيارة فى ظل اتساع مساحة التباعد الامريكية الصينية، والامريكية الاوروبية.الامر الذى يدفع الطرفين (الصينى والاوروبى) لتعزيز تقاربهما وتعاونهما خاصة فى المجالات الاقتصادية والتجارية، وهو ما تجلى بوضوح فى اختيار الصين للدول الاوروبية الثلاثة، وذلك على النحو الآتى:
1- تمثل ايطاليا العضو المؤسس للاتحاد الأوروبي وثالث أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، المحطة الاولى فى الزيارة وهى اول زيارة يقوم بها رئيس صيني لإيطاليا منذ 10 سنوات، حيث يحتفل البلدان هذا العام بالذكرى الـ15 لإقامة شراكة استراتيجية شاملة بين البلدين كما يحتفلان العام المقبل بالذكرى الـ50 لعلاقاتهما الدبلوماسية، تلك العلاقات التى شهدت تطورا مهما مع تولى الحكومة الإيطالية الحالية مهامها في يونيو 2018، حيث أولت اهتمامًا أكبر للصين وأنشأت “فرقة عمل صينية”، وهذه هي المرة الأولى التي تنشئ فيها إيطاليا مجموعة عمل لبلد معين، انطلاقا من دعمها لمبادرة “الحزام والطريق”.
2- تمثل إمارة موناكو رغم كونها بلد اوروبى صغير، أهمية تاريخية بالغة في تنمية العلاقات بين الصين أوروبا بصفة عامة وتلك الامارة الصغيرة على وجه الخصوص، خاصة وانها الزيارة الاولى من نوعها لرئيس صيني لتلك الامارة ذات الاقتصاد المتطور. كما تأتى ردا على زيارة عدة قام بها الأمير ألبرت الثاني إلى الصين.
3- تمثل فرنسا المحطة الثالثة والاخيرة فى الزيارة، والتى تتزامن مع الذكرى الـ 55 لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. والجميع يعلم أن فرنسا كانت أول قوة غربية تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين. فضلا عن تقارب سياستهما حيال العديد من القضايا الدولية أبرزها المناداة بالتعددية القطبية للحفاظ على السلام العالمي والتنمية المستدامة.
الجانب الثانى، يتعلق بما يمكن أن تسفر عنه تلك الزيارة من اتفاقات بين الصين من جانب وهذه الدول الثلاث من جانب آخر، حيث من المنتظر ان يوقع بكين وروما بروتوكول اتفاق بشأن “طرق الحرير الجديدة”، لتصبح إيطاليا أول دولة من مجموعة السبع تنضم إلى هذا المشروع الهادف إلى تعزيز الترابط بين القارات الثلاث (آسيا وأوروبا وإفريقيا) ويقضي بتمويل بنى تحتية برية وبحرية تضم طرقات وسكك حديد وموانئ. وإذا كانت ايطاليا ربما تنضم للدول المؤيدة لهذا المشروع الصينى رغم التباين الاوروبى بشأنه، فإن فرنسا كان موقفها اكثر تحديدا بالمطالبة بضرورة ان يكون ثمة تنسيق فى السياسة الاوروبية تجاه الصين بما يجعل علاقات الطرفين قائمة على مرتكزات ثابتة وركائز محددة.

Leave A Reply

Your email address will not be published.